سامي محمود يكتب: قراءة تحليلية في ملف الأزمة الفنزويلية
في زمنٍ تتبدّل فيه الخرائط قبل أن تجفّ الأحبار، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم قبل أن تستقرّ المعاني، يصبح الانتماء الصادق فعل وعي، لا مجرد انحياز عاطفي عابر. فالوطن، في لحظات الاختبار الكبرى، لا يحتاج إلى أصوات مرتفعة بقدر حاجته إلى عقول هادئة، وقلوب مؤمنة، ونفوس تدرك أن بقاء الدولة هو المعنى الأسمى لكل فكرة، ولكل موقف، ولكل قراءة سياسية مسؤولة. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه السطور لتؤكد أن كل مصري ومصرية يجب أن يتشكّل وعيه على الحفاظ على هذه الدولة المصرية، وعلى وحدتها، وعلى مؤسساتها في زمن اختلت فيه المعايير، وأصبح فيه قانون الغاب وقوة الهيمنة هي السائدة في التفاعلات الدولية.
لكن الله، الذي حبانا بحب مصر، رزقنا قائدًا محنكًا، أدرك عبر التجربة والقراءة أن الأوطان لا تُدار بالعواطف المنفلتة، ولا تُحمى بالاندفاع، بل تُصان بالعقل، وبالاصطفاف الواعي، وبالإيمان العميق بأن المؤسسات حين تتماسك، ينجو الوطن، وحين تنهار، يضيع الجميع. إنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي استطاع أن يبحر بالسفينة المصرية وسط أمواج البحر المتلاطمة ودوامات كادت تبتلعها، وبقي الوطن صامدًا، شامخًا، لا يلين.
إن هذه القراءة للأزمات العالمية لا تنفصل عن إدراك راسخ لطبيعة الدولة الوطنية، ولا تُكتب من فراغ نظري، بل من موقع الانتماء لدولة عرفت معنى الحرب، وقدّمت أبنائها دفاعًا عن الأرض، وحملت على عاتقها مسؤولية الاستقرار في محيط مضطرب. دولة ظلّ جيشها درعها الصلب، وشرطتها سياجها الداخلي، وشعبها وقود الصبر والبقاء. ومن هذا الوعي يبدأ هذا المقال، لا ليخاصم الدولة، ولا ليزايد عليها، بل ليقرأ العالم بعين من يعرف قيمة الوطن، ويدرك أن الحفاظ عليه مسؤولية فكر قبل أن يكون واجب سلاح.
حين يلوح الأفق بعواصف السياسة العالمية، وتتنفس الأرض عبير الفتن والمصالح المتشابكة، ويرتجف التاريخ تحت أقدام القوى العظمى، تدرك الدول الواعية قبل غيرها أن العالم لم يعد يُدار وفق المثاليات التي تُرفع في الخطب، بل وفق توازنات دقيقة بين القوة والمصلحة، وبين الردع والحكمة. وفي هذا المشهد الكوني المأزوم، لا يُختبر الإنسان وحده، بل تُختبر الدولة، وتُختبر قدرتها على الصمود، وعلى حماية سيادتها، وعلى إدارة موقعها داخل نظام دولي مضطرب لا يعترف إلا بالأقوياء الواعين.
إن تلاطم إرادات القوى الكبرى، كما تتلاطم أمواج بحر هائج، يجعل من القانون الدولي ساحة تأويل وانتقائية، تُستدعى نصوصه أحيانًا لتبرير القوة، لا لحماية الحق، وتُستخدم مواده غطاءً شرعيًا لممارسات هي في جوهرها هيمنة سياسية واقتصادية. وبين هذا وذاك، تبقى الشعوب على محك البقاء والكرامة، فيما يختار العالم في كثير من الأحيان صمت المصالح على صوت العدالة.
وفي هذا السياق المركب، لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي حدثًا عابرًا أو واقعة منعزلة، بل جاء لحظة كاشفة لهشاشة النظام الدولي، ولعجزه البنيوي عن حماية مفهوم السيادة الوطنية حين يصطدم بإرادة الهيمنة. لحظة أعادت طرح أسئلة عميقة حول معنى العدالة، وحقيقة القوة، وحدود القانون، ودور الدولة في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يحمي المترددين.
لقد قُدِّمت ذرائع الاعتقال، كما جرت العادة، تحت عناوين براقة؛ مكافحة المخدرات، ومحاربة الإرهاب، وهي ذات الشعارات التي رُفعت في وجه صدام حسين، ثم في وجه العقيد معمر القذافي، وأيضًا الرئيس بشار الأسد، ورئيس اليمن علي عبد الله صالح. غير أن التجربة التاريخية علمتنا أن هذه الذرائع، مهما بدت أخلاقية في ظاهرها، كثيرًا ما تُستخدم كأدوات لإعادة رسم خرائط النفوذ، والسيطرة على الموارد، وفرض الإرادة السياسية على دول وقادة رفضوا أن يكونوا أدوات في لعبة الهيمنة العابرة للقيم.
ومن الأبعاد الدقيقة التي لا يمكن تجاهلها في هذا الملف، مسألة منظومات الدفاع الجوي الفنزويلي، وعلى رأسها منظومة SS-400 الروسية، التي لم تُفعل في مواجهة التهديد الأمريكي الواضح. وهو ما يفتح باب التحليل الاستراتيجي على مصراعيه، بعيدًا عن التسرع أو الاتهام، لطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة التفاهمات الدولية، وتشابك الملفات الكبرى، من فنزويلا إلى أوكرانيا، ومن الاقتصاد إلى الأمن العسكري.
هذه التساؤلات لا تُطرح من باب التشكيك، بل من باب الفهم العميق لطبيعة العلاقات الدولية الحديثة، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية مع الحسابات الأمنية، وحيث تصبح بعض الدول أوراق ضغط في صراع أكبر منها. وهنا تتجلى إحدى أخطر حقائق العصر: أن الدولة تُكسر من داخلها قبل أن تُكسر من خارجها، وأن تحصين الجبهة الداخلية هو خط الدفاع الأول عن السيادة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل من حق روسيا أن تعتقل زيلنسكي رئيس أوكرانيا؟ وهل من حق الصين أن تعتقل رئيس تايوان كما فعل ترامب مع الرئيس الفنزويلي؟ هذه التساؤلات تحمل في طياتها انعكاسات كبرى على مفهوم السيادة والعدالة الدولية، وتكشف عن ازدواجية المعايير التي قد تُفرض بالقوة، وليس بالقانون، في المشهد العالمي الحالي، وما تركته سنة ترامب من إرث سلبي سيظل صداها مترسخًا على العالم لعقود قادمة، بعدما اعتُقل الرئيس الفنزويلي بذريعة واهية أفرغت القانون من جوهره.
إن قراءة التاريخ السياسي العالمي، بما فيه التاريخ الأمريكي ذاته، تكشف سجلًا طويلًا من استخدام القوة لفرض النفوذ، من إبادة السكان الأصليين، إلى التدخلات المتكررة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وما يحدث في فنزويلا ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من الإرهاب السياسي المموه بالقانون، حيث يُعاقَب الضعفاء، وتُمنَح القوى الكبرى حصانة أخلاقية زائفة.
غير أن الدول الوطنية الرشيدة لا تتعامل مع هذا الواقع بانفعال، ولا تنجر إلى مواجهات غير محسوبة، بل تبني سياساتها على وعي استراتيجي، وتقدير دقيق للمخاطر، وتوازن حكيم بين المبادئ والواقع. فالحفاظ على السيادة لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قوية، واقتصاد قادر على الصمود، وجيش محترف، وأجهزة دولة متماسكة، وإعلام وطني واعٍ.
وفي هذا الإطار، يبرز دور التجمعات العالمية الجديدة التي بدأت تلوح في الأفق بين دول أمريكا اللاتينية، وروسيا الاتحادية، والصين، والهند، وكوريا الشمالية، والدول العربية والإسلامية، والتي يمكن أن تشكل رادعًا استراتيجيًا متوازنًا في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا، وتعزز من قدرة العالم على وضع حد للهيمنة الأحادية، وإعادة صياغة موازين القوى الدولية بطريقة أكثر عدالة وتوازنًا، بعيدًا عن ازدواجية المعايير وتطبيق القانون الانتقائي.
ومن هنا، تتأكد حقيقة مركزية في خطاب الأمن القومي: أن الصمت المدروس في بعض اللحظات ليس ضعفًا، بل حكمة، وأن ضبط الإيقاع السياسي ليس تراجعًا، بل ممارسة واعية لفن إدارة الدولة في عالم مضطرب. فالدولة التي تعرف متى تتقدم ومتى تحجم، هي الدولة التي تحمي شعبها من كلفة المغامرات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التحالفات الدولية التي تُبنى على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على الشعارات أو الاستعداء المجاني. تحالفات تُدار بعقل الدولة، وتُوظف لخدمة الاستقرار، وتجنب الشعوب ويلات الصراعات المفتوحة. وهو نهج يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة المرحلة، ويؤكد أن الأمن القومي لا ينفصل عن الاستقرار الإقليمي والدولي.
غير أن القوة السياسية والعسكرية، مهما بلغت، لا تصنع صمودًا دائمًا ما لم تُسند بوعي مجتمعي، وعدالة اجتماعية، وثقة متبادلة بين الدولة والمواطن. فالدولة التي تستثمر في الإنسان، وتوفر له الحياة الكريمة، والرعاية الصحية، وفرص العمل، تبني جدارًا منيعًا لا تهزه العواصف الخارجية.
وعلى المستوى الإنساني العميق، تكشف الأزمات العالمية عن حقيقة أزلية: أن الإنسان حين يسكن الله قلبه، تخرج منه قيم الحب والعدل والرحمة والجمال، وتزدهر الأرض كما تزهر الحدائق بالورود والياسمين والفل والعود الفواح. وحين يستقر الحق في القلوب، تهرب شياطين الإنس والجن، ويصبح السلام ممكنًا، والاستقرار حقيقة، والكرامة الإنسانية حصنًا لا يُخترق.
ومن أخطر أسلحة الهيمنة في عالم اليوم، ليس السلاح وحده، بل تفكيك المجتمعات من الداخل، وإشعال صراع الطبقات، وتجويع الشعوب، وضرب الثقة بين المواطن ودولته. ولذلك، فإن أي دولة تريد حماية نفسها من التحول إلى ساحة مفتوحة للتدخلات، يجب أن تبدأ من الداخل، بتسليح الوعي، وترسيخ الانتماء، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وقد أثبت التاريخ المعاصر هذه الحقيقة مرارًا. ففي مصر، حين واجهت العدوان الثلاثي، كان التلاحم بين القيادة والشعب هو السلاح الحقيقي الذي أسقط رهانات القوى الكبرى. وفي تجارب أخرى، كان الوعي الجمعي والانتماء الوطني هما خط الدفاع الأول، قبل أي ترسانة عسكرية.
وهكذا، تكشف الأزمات العالمية حقيقتها العارية: ليست مجرد صراعات سياسية، بل اختبارات أخلاقية وحضارية، تميز بين من بنى دولته على الإنسان، ومن بناها على الهيمنة. ويبقى التاريخ شاهدًا لا ينسى، ولا يرحم، ولا يغفر لمن خان العدالة، أو صمت عن الظلم، أو باع الكرامة بثمن المصالح.
وهكذا، فإن هذه القراءة، بكل ما تحمله من تحليل ومواقف، تنبع من وعيٍ يرى في الدولة الوطنية حصن البقاء، وفي تماسك مؤسساتها ضمانة الاستقرار، وفي التفاف الشعب حولها صمام الأمان. قراءة كاتبٍ أدرك أن حب الوطن لا يُقال دائمًا بصوت مرتفع، بل يُكتب أحيانًا بحكمة، ويُعبَّر عنه بفهمٍ عميق لطبيعة العالم، وبانحياز صامت لكنه راسخ لكل ما يحمي الأرض، ويصون الدولة، ويحفظ كرامة الإنسان.
وفي النهاية، ندعو كل الشعوب العربية والإسلامية إلى الاصطفاف خلف قيادتها، وخلف جيوشها وشرطتها الوطنية، وعليهم عدم سماع الشائعات وترديدها، بل نفيها وتوضيح الحقائق لكل من نعرفه. كن أنت الإعلام لدولتك، ولسانها في مواجهة أعداء الدولة والوطن. ابتعدوا عن الطائفية والمذهبية والعرقية والقبلية والعنصرية والتحزب، والتعصب الأعمى، والتطرف البغيض. فالمؤمن المتعلم هو منارة للتسامح والرقي والحلم والسمو. حفظ الله مصر وشعبها وقيادتها وجيشها وشرطتها وكل مؤسساتها من كل سوء وشر.
